محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
163
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
عن طريق ذاكرة جماعية غزيرة وفوّارة بالمعطيات مما هبّ ودبّ . ففي غضون القرنين الأول والثاني للهجرة ، كان الشيء المهيمن هو تبعثر هذه الذاكرة الجماعية وانبجاساتها أو تدفقاتها المعزولة . وأخذ يضاد ذلك فيما بعد عمل العقلنة ، والتوفيق التناغمي ، والانتخاب بعد الحذف والغربلة . وقد ابتدأ هذا العمل في الثقافة العربية الإسلامية مع الطبري ، ولكنه بلغ ذروته مع السيوطي ( ت 911 ه / 1505 م ) أثناء المرحلة المدرسانية الاتباعية ( السكولاستيكية ) . لن نقترف مغالطة تاريخية إذا ما وصفنا التفسير الإسلامي التقليدي بأنه تاريخوي ، علموي ، بل وحتى مادي ، بمعنى أن كل كلمة من كلمات الخطاب القرآني تمتلك بالضرورة عائدا موضوعيا ( أو مرجعية موضوعية موجودة في الخارج أو في الواقع الخارجي ) . إنه لصحيح القول بأنهم يلجئون إلى الحكايات الأسطورية من أجل البرهنة على صحة كل كلمة أو كل آية من آيات القرآن ( أو من أجل إثبات حقها ) ، وهم يعتبرون الحكايات الأسطورية بمثابة معطيات تاريخية ، أو جغرافية ، أو كوزمولوجية ( أي متعلقة بعلم الكونيات ) . فالأبطال الملحميون من أمثال غلغاميش ينظر إليهم وكأنهم شخصيات واقعية ، حقيقية ( انظر بهذا الصدد المناقشات التي دارت حول موسى ) « * » . أما الكائنات غير المرئية ( كالجن والملائكة ) ، فقد خلعت عليها الصفة المادية الواقعية من خلال التحدّث عن تصرفاتها وأقوالها العادية التي تشبه تصرفات وأقوال البشر . ومع فخر الدين الرازي يجيء المسار العلموي لكي يكمل مسار « المؤرّخ » « 1 » . ونقصد بمساره العلموي هنا محاولته التحقّق من الصلاحية الموضوعية للآيات عن طريق التعاليم التي تقدّمها العلوم الفلسفية والتجريبية في عصره « * * » .
--> * ينبغي أن نشير إلى أن عقلية الناس في القرون الوسطى كانت ميّالة إلى تصديق الحكايات الأسطورية بسهولة ، ولم تكن تستطيع أن تميّز بين ما هو حقيقي وما هو أسطوري كما نفعل نحن اليوم . فينبغي ألا نسقط عليهم عقليتنا المعاصرة ، وإلا فلن نفهمهم . ولذلك نرى الطبري يستشهد بالحكايات الأسطورية الرومانية للبرهنة على صحة ما ورد في القرآن من قصص ! ولا يشعر بأي تناقض إذ يفعل ذلك . . . وحتى الحكايات التي رواها عن النبي موسى معظمها أسطوري ولا علاقة له بالحقيقة التاريخية . وأما غلغاميش ، الذي هو بطل الملحمة الآشورية - البابلية الشهيرة بنفس الاسم ، فإنهم ينظرون إليه وكأنه شخصية واقعية أو تاريخية . ينبغي إلا ننسى أن الأديان التوحيدية ظهرت في منطقة غنية بالأساطير والأديان القديمة من مصرية ، وبابلية ، وآشورية ، إلخ . ( 1 ) ولكن يختلف الأمر في ما يخصّ التأويل الذي يتخذ لدى الشيعة منحى خاصا ويصل إلى مرحلة المعرفة الروحية الباطنية . انظر بهذا الصدد كتاب هنري كوربان : ابن سينا والحكاية الرؤيوية ، الجزء الأول : . H . 1954 ، Corbin : Avicenne et le recit visionnaire , t . lTeheran - Paris * * وهذا مسار غير علمي بالطبع ولكنه علموي . وهو يشبه أقوال المسلمين المعاصرين الذين يعتقدون بأنه حتى علم الذرة موجود في القرآن !